الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

388

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الشاق مع التسريح الذي لا يتكرر » . وقد أخذ قوم من الآية منع الجمع بين الطلاق الثلاث في كلمة ، بناء على أن المقصود من قوله مَرَّتانِ التفريق وسنذكر ذلك عند قوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ [ البقرة : 230 ] الآية . وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . يجوز أن تكون الواو اعتراضية ، فهو اعتراض بين المتعاطفين ، وهما قوله : فَإِمْساكٌ وقوله فَإِنْ طَلَّقَها ويجوز أن تكون معطوفة على أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ لأن من إحسان التسريح ألا يأخذ المسرح وهو المطلق عوضا عن الطلاق ، وهذه مناسبة مجىء هذا الاعتراض ، وهو تفنن بديع في جمع التشريعات والخطاب للأمة ، ليأخذ منه كل أفرادها ما يختص به ، فالزوج يقف عن أخذ المال ، وولي الأمر يحكم بعدم لزومه ، وولي الزوجة أو كبير قبيلة الزوج يسعى ويأمر وينهى ( وقد كان شأن العرب أن يلي هذه الأمور ذوو الرأي من قرابة الجانبين ) وبقية الأمة تأمر بالامتثال لذلك ، وهذا شأن خطابات القرآن في التشريع كقوله : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ إلى قوله : وَارْزُقُوهُمْ فِيها [ النساء : 5 ] وإليه أشار صاحب « الكشاف » . وقال ابن عطية والقرطبي وصاحب « الكشاف » : الخطاب في قوله : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ للأزواج بقرينة قوله أَنْ تَأْخُذُوا وقوله : آتَيْتُمُوهُنَّ والخطاب في قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ للحكام ، لأنه لو كان للأزواج لقيل : فإن خفتم ألا تقيموا أو ألا تقيما ، قال في « الكشاف » : « ونحو ذلك غير عزيز في القرآن » ا ه يعني لظهور مرجع كل ضمير من قرائن المقام ونظره في « الكشاف » بقوله تعالى في سورة الصف [ 13 ] وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ على رأي صاحب « الكشاف » ، إذ جعله معطوفا على تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إلخ لأنه في معنى آمنوا وجاهدوا أي فيكون معطوفا على الخطابات العامة للأمة ، وإن كان التبشير خاصا به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه لا يتأتى إلا منه . وأظهر من تنظير صاحب « الكشاف » أن تنظره بقوله تعالى فيما يأتي : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [ البقرة : 232 ] إذ خوطب فيه المطلّق والعاضل ، وهما متغايران . والضمير المؤنث في آتَيْتُمُوهُنَّ راجع إلى الْمُطَلَّقاتُ ، المفهوم من قوله : الطَّلاقُ مَرَّتانِ لأن الجنس يقتضي عددا من المطلقين والمطلقات ، وجوز في « الكشاف »